في الساعة السابعة والنصف من مساء 26 يوليو 1956، وقف جمال عبد الناصر على منصة في ميدان المنشية بالإسكندرية، وسط حشد هائل من المصريين الذين احتشدوا لسماع خطابه بمناسبة الذكرى الرابعة لثورة يوليو. كان الجو حاراً، والجماهير تهتف باسمه، لكن لم يكن أحد يتوقع ما سيأتي به ذلك المساء. فقد ألقى كلمة استمرت نحو ثلاث ساعات، وفي خضم حديثه، نطق بأربع كلمات غيّرت مجرى التاريخ: "قناة السويس... سوف تؤمم". وفي تلك اللحظة، تحولت قناة السويس من ممر مائي إلى ميدان معركة دولية أشعلت ناراً لم تخمد بسرعة.
ما لبثت أن تحولت الأزمة إلى حرب شاملة، شاركت فيها ثلاث دول: بريطانيا العجوز التي كانت تعتبر القناة شريان حياتها الإمبراطوري، وفرنسا التي رأت في تأميم القناة تحدياً مباشراً لنفوذها في المنطقة، وإسرائيل التي سعت إلى كسر الحصار العربي وتوسيع حدودها. اجتمع هؤلاء الثلاثة في اتفاق سيفير السري ليفرضوا على مصر حرباً كانت نتيجتها مفاجئة للجميع.
هذا المقال والفيلم الوثائقي يرافقانك في رحلة تفصيلية داخل واحدة من أكثر الأزمات تأثيراً في القرن العشرين: من ثورة يوليو التي مهّدت الطريق، إلى قرار التأميم الجريء، إلى العمليات العسكرية على أرض سيناء وبورسعيد، إلى اللحظات الدبلوماسية الحاسمة في الأمم المتحدة وواشنطن وموسكو. سنحاول فهم كيف أن أمة صغيرة استطاعت أن تهزم إمبراطوريتين عظمتين ودولة حديثة النشأة، وكيف غيّرت تلك الأزمة وجه الشرق الأوسط والعالم إلى الأبد.
جذور الصراع – ثورة يوليو وولادة مصر الجديدة
لكي نفهم لماذا أقدم عبد الناصر على تلك الخطوة الجريئة في صيف 1956، علينا أن نعود إلى الوراء قليلاً، إلى فجر 23 يوليو 1952. في ذلك اليوم، كان الضباط الأحرار في قيادة سياراتهم العسكرية يتجهون نحو القاهرة، ليقوموا بحركة عسكرية أنهت حكم الملك فاروق، وأسست لجمهورية جديدة. لكن الثورة لم تكن مجرد تغيير نظام حكم؛ بل كانت ثورة على التبعية، وعلى الإقطاع، وعلى الهيمنة الأجنبية.
خلال السنوات الأربع التالية، سعت الحكومة الجديدة إلى إعادة تعريف العلاقة مع الغرب. وفي أكتوبر 1954، تم توقيع اتفاقية الجلاء التي أنهت 72 عاماً من الاحتلال البريطاني، رغم بقاء القوات البريطانية في منطقة القناة. كانت تلك خطوة أولى، لكن الطموح كان أكبر. فمصر كانت تطمح إلى بناء سد عالي على النيل لتوليد الكهرباء وتوسيع الرقعة الزراعية، مشروع كان يعتبر حجر الزاوية لنهضة اقتصادية شاملة.
لكن في سبتمبر 1955، أبرمت مصر صفقة أسلحة ضخمة مع تشيكوسلوفاكيا، عبر الاتحاد السوفيتي. كانت هذه الصفقة إيذاناً بتحول مصر نحو الشرق، وكسراً للاحتكار الغربي للتسليح في المنطقة. أثارت الصفقة غضب واشنطن ولندن، ودفعت بهما إلى التفكير في كيفية ردع هذا التوجه الجديد.
وفي يوليو 1956، جاء القرار الحاسم. في 19 يوليو، أعلن وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس سحب عرض تمويل السد العالي، وذلك بعد ضغوط بريطانية. كان ذلك بمثابة إعلان حرب اقتصادية على مصر. ولم يمضِ أسبوع حتى جاء الرد المصري، مدوياً وقاطعاً، على منصة الإسكندرية.
خطاب الإسكندرية – الكلمات التي هزت الإمبراطورية
في مساء 26 يوليو 1956، كان ميدان المنشية في الإسكندرية يعج بالآلاف. كانت مكبرات الصوت تنقل صوت عبد الناصر، وكان الجمهور يردد خلفه كل كلمة. بدأ خطابه بالحديث عن تاريخ القناة ومشاريع الاستعمار، ثم تحدث عن السد العالي ورفض الأميركيين والبريطانيين تمويله. ثم توقف للحظة، وهنا كانت اللحظة الفارقة.
قال بصوته الجهير: "أيها المواطنون... سيظل الأجيال القادمة تذكر أن المصريين هم الذين شقوا قناة السويس... وأن المصريين هم الذين سيدفعون ثمنها... وأن القناة كانت ملكاً لمصر... ولكن هذه الشركة هي شركة مصرية... وقد أممناها". وفي تلك اللحظة، صرخ الجمهور هاتفاً: "يسقط الاستعمار"، وبدأت الاحتفالات في كل مكان في مصر.
كان القرار جريئاً بكل المقاييس. فقناة السويس لم تكن مجرد ممر مائي؛ بل كانت شرياناً اقتصادياً حيوياً للغرب. في ذلك الوقت، كانت تمر عبر القناة نحو ثلثي إمدادات النفط الأوروبية، وما يقرب من 80% من تجارة بريطانيا مع الشرق الأقصى. كان تأميمها بمثابة احتجاز رهينة اقتصادية ضخمة.
في لندن، كان رئيس الوزراء أنتوني إيدن يعقد اجتماعاً طارئاً في 10 داونينغ ستريت. قال لأحد مستشاريه: "إذا سمحنا لهذا الرجل بالهروب مع فعلته، فإننا سنفقد كل شيء. سنصبح دولة من الدرجة الثالثة". كانت تلك لحظة تحول، لكنه لم يكن يعلم أنها كانت بداية النهاية للإمبراطورية البريطانية.
شاهد الوثائقي: العدوان الثلاثي على مصر
اتفاق سيفير – المؤامرة التي رسمت خريطة الحرب
بعد أسبوعين من تأميم القناة، اجتمع ثلاثة رجال في ضاحية سيفير الباريسية، بعيداً عن أعين الصحفيين. كانوا: أنتوني إيدن، وغاي موليه، ودافيد بن غوريون. كانوا في منزل خاص، يخططون لكيفية قلب نظام عبد الناصر وإعادة القناة إلى السيطرة الغربية.
السيناريو الذي وضعوه كان محكماً لكنه خادع: ستقوم إسرائيل بشن هجوم على مصر في سيناء، وهو ما سيعطي بريطانيا وفرنسا ذريعة "للفصل بين الطرفين" وحماية القناة. كان من المتوقع أن تستغرق العملية عدة أيام، وأن تنتهي بالإطاحة بعبد الناصر.
لكن المؤامرة حملت في طياتها بعض نقاط الضعف العميقة. أولها أن إسرائيل كانت تطمح إلى أكثر من مجرد مشاركة رمزية؛ لقد أرادت بن غوريون أن تحقق مكاسب إقليمية ملموسة، خاصة في قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. كما أن توقيت العملية كان خطيراً، إذ كانت الحرب الباردة في ذروتها، وكان أي تحرك عسكري كبير قد يؤدي إلى رد فعل سوفيتي خطير.
وفي 22 أكتوبر 1956، بعد أيام من المفاوضات السرية، تم التوقيع النهائي على البروتوكول السري في سيفير. كانت اتفاقية محكمة الإغلاق، لكنها كانت أيضاً اتفاقية محفوفة بالمخاطر، وكما سيثبت التاريخ، كانت أيضاً كارثية على أصحابها.
"لقد كنا نلعب بالنار، كنا نعتمد على أن مصر ستخاف وتتراجع، لكننا لم ندرك أن عبد الناصر ليس من النوع الذي يخاف. كان خطأنا أننا حسبنا الأمور من وجهة نظرنا فقط."
— من مذكرات دبلوماسي بريطاني شارك في التخطيط للعدوان
ساحة المعركة – سيناء وبورسعيد تحت القصف
في 29 أكتوبر 1956، وفي تمام الساعة الخامسة مساءً، عبرت القوات الإسرائيلية الحدود المصرية في عملية "قادش". كان الهجوم سريعاً ومباغتاً. في غضون 48 ساعة، كانت القوات الإسرائيلية قد اجتاحت معظم سيناء، ووصلت إلى مشارف قناة السويس. ولكن هذا لم يكن سوى الفصل الأول من المسرحية.
في 31 أكتوبر، وبعد أن رفضت مصر الإنذار البريطاني الفرنسي بالانسحاب من منطقة القناة، بدأت الطائرات البريطانية والفرنسية في قصف الأهداف المصرية. كانت الغارات الجوية عنيفة ومركزة، واستهدفت المطارات والقواعد العسكرية والمرافق الحيوية. وفي 5 نوفمبر، بدأ الإنزال الجوي والبحري على مدينة بورسعيد، في عملية عسكرية ضخمة شاركت فيها قوات مظلية ومشاة بحرية.
لكن ما لم يحسب له المهاجمون حساباً هو المقاومة الشعبية. ففي بورسعيد، خرج الأهالي من منازلهم يحملون أسلحة بسيطة، واشتبكوا مع قوات المظليين في الشوارع. كانت المعارك عنيفة، وتحولت المدينة إلى ساحة حرب. وبينما كانت القوات النظامية المصرية تواجه الغزو في مواقعها، كانت المقاومة الشعبية تكبد المهاجمين خسائر غير متوقعة، وتؤخر تقدمهم.
في تلك الأيام، كانت الصور تصل إلى العالم: صور لمبانٍ مدمرة، وأطفال يبكون، وشيوخ يلوحون بأيديهم البيضاء احتجاجاً على الغزو. وقد لعبت تلك الصور دوراً كبيراً في تشكيل الرأي العام العالمي ضد العدوان، وفي زيادة الضغوط الدولية لإنهاء الحرب.
القوة الخفية – كيف هزمت الدبلوماسية الجيوش
كان المهاجمون يعتقدون أن تفوقهم العسكري سيكون كافياً لتحقيق النصر. لكنهم نسوا أن الحروب في القرن العشرين لم تعد تنتصر في ساحات المعارك وحدها، بل أيضاً في غرف الاجتماعات ومكاتب الصحف ومقرات الأمم المتحدة.
الموقف الأميركي كان المفاجأة الأكبر. فبدلاً من دعم حلفائه التقليديين، وقف الرئيس دوايت أيزنهاور ضد العدوان. كان أيزنهاور يدرك أن الحرب في الشرق الأوسط قد تدفع الدول العربية إلى أحضان الاتحاد السوفيتي، وهو ما كان سيكون كارثة استراتيجية على الولايات المتحدة. ولهذا، مارس ضغوطاً غير مسبوقة على لندن وباريس، وهدد ببيع الجنيه الإسترليني إذا لم يوقفوا القتال.
وفي الجانب الآخر، كان الاتحاد السوفيتي يلوح بتهديدات نووية ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. وأرسل نيكيتا خروتشوف رسائل شديدة اللهجة إلى القادة الغربيين، محذراً من أن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي إذا استمر العدوان. كانت التهديدات السوفيتية لعبت دوراً في تعزيز الخوف من توسع الحرب، ودعت الدول الغربية إلى التهدئة.
وفي 2 نوفمبر، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار وانسحاب القوات. وكانت تلك المرة الأولى التي تُستخدم فيها قوة الطوارئ الدولية لحفظ السلام، وهي سابقة مهمة في تاريخ الأمم المتحدة.
في 6 نوفمبر، وبعد 9 أيام فقط من بدء العمليات، أعلنت بريطانيا وفرنسا وقف إطلاق النار. كان ذلك انتصاراً دبلوماسياً هائلاً لمصر، وهزيمة نكراء للقوى الاستعمارية. فقد نجح عبد الناصر في الاحتفاظ بالقناة، وفشل المهاجمون في تحقيق أي من أهدافهم السياسية.
الإرث – كيف غيّرت أزمة السويس العالم
لم تكن أزمة السويس مجرد حلقة عابرة في تاريخ الشرق الأوسط، بل كانت نقطة تحول كبرى في التاريخ العالمي. بالنسبة لبريطانيا، كانت بداية النهاية لإمبراطوريتها. فبعد 1956، لم تعد بريطانيا قوة عظمى بالمعنى التقليدي، وأصبحت تابعة للولايات المتحدة في معظم القضايا الدولية. أنتوني إيدن استقال بعد أشهر من الأزمة، منهياً حياته السياسية في خزي.
بالنسبة لمصر، كانت الأزمة نقطة تحول نحو القيادة الإقليمية. خرج عبد الناصر من الحرب أكثر قوة وشعبية، وأصبح رمزاً للقومية العربية وحركات التحرر في العالم الثالث. وشجعت النتيجة عدداً من الدول الأفريقية والآسيوية على المطالبة بالاستقلال، وأسهمت في تسريع عملية إنهاء الاستعمار.
أما بالنسبة للنظام الدولي، فقد أثبتت الأزمة أن القوة العسكرية لم تعد كافية لوحدها لتحقيق الأهداف السياسية. لقد أصبحت الشرعية الدولية، والرأي العام، وموازين القوى في الحرب الباردة عوامل حاسمة في تحديد نتائج النزاعات. وقد ساهمت الأزمة في تعزيز دور الأمم المتحدة، وفي ترسيخ مفهوم حفظ السلام.
والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن أزمة السويس ما زالت تتردد أصداؤها حتى اليوم. فالإرث الذي تركته من حيث الصراع العربي الإسرائيلي، والعلاقات بين الشرق والغرب، وقضايا السيادة الوطنية، ما زال يؤثر في سياسات المنطقة والعالم. إنها درس خالد في كيفية تقاطع القوة، والسياسة، والدبلوماسية، في لحظة تاريخية واحدة.
أسئلة شائعة حول العدوان الثلاثي وأزمة السويس
لماذا أمم عبد الناصر قناة السويس بالضبط في يوليو 1956؟
جاء القرار بعد سحب الولايات المتحدة وبريطانيا تمويل مشروع السد العالي في 19 يوليو 1956. كان تأميم القناة وسيلة لتأمين التمويل البديل للمشروع، وأيضاً تأكيداً على السيادة المصرية على أحد أهم ممراتها المائية بعد عقود من السيطرة الأجنبية. كانت خطوة جريئة لكنها محسوبة، وعبّرت عن رغبة مصر في الاستقلال الاقتصادي والسياسي.
كيف تم التنسيق بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل دون أن يعلم العالم؟
تم التنسيق في اجتماعات سرية عُقدت في ضاحية سيفير بباريس بين 22 و24 أكتوبر 1956. شارك فيها رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن، ونظيره الفرنسي غاي موليه، ورئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون. وُضعت خطة محكمة تقوم على هجوم إسرائيلي أولي في سيناء، ثم تدخل بريطاني فرنسي بحجة حماية القناة من الصراع.
ظلت تفاصيل الاتفاق سرية لسنوات عديدة.
ما هو دور الولايات المتحدة في إنهاء العدوان؟
كان الموقف الأميركي حاسماً. رفض الرئيس أيزنهاور العدوان وأعلن معارضته له في الأمم المتحدة. مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية على بريطانيا، وهددت بعدم دعم الجنيه الإسترليني مما قد يؤدي إلى انهياره. كما استخدمت نفوذها في الأمم المتحدة لإصدار قرار بوقف إطلاق النار. هذا الموقف الأميركي كان مفاجئاً للحلفاء التقليديين، وأظهر تحولاً في السياسة الخارجية الأميركية نحو دعم حركات التحرر بدلاً من الاستعمار القديم.
كيف أثرت أزمة السويس في حركات التحرر الوطني في العالم؟
كانت أزمة السويس مصدر إلهام كبير لحركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. فقد أثبتت أن دولة صغيرة يمكنها أن تقف في وجه إمبراطوريتين عظميين وتنتصر بفضل التضامن الدولي والقناعة السياسية. شجعت الأزمة العديد من الدول على المطالبة بالاستقلال، وسارعت في إنهاء الاستعمار في السنوات التالية، خاصة في إفريقيا التي شهدت موجة استقلالات في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات.
هل ما زالت دروس أزمة السويس صالحة للتطبيق اليوم؟
بالتأكيد. فدروس أزمة السويس حول العلاقة بين القوة العسكرية والشرعية الدولية ما زالت صالحة. في عالم اليوم، حيث تزداد أهمية الدبلوماسية والرأي العام والتضامن الدولي، تظل أزمة السويس مثالاً حياً على أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن الإرادة السياسية والتحالفات الذكية يمكن أن تصنع الفارق. كما تذكرنا بأن الاستعمار بأشكاله الجديدة لا يزال موجوداً، وأن الشعوب ما زالت تناضل من أجل سيادتها.
مراجع ومصادر التحقيق
- قناة الجزيرة — ملفات وثائقية عن أزمة السويس والعدوان الثلاثي، وتقارير تاريخية حول تأميم القناة.
- BBC News عربي — تقارير عن الذكرى الستين لأزمة السويس وتحليلات حول تأثيرها في السياسة الدولية.
- الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) — صفحات "العدوان الثلاثي"، و"تأميم قناة السويس"، و"اتفاقية سيفير".
- أرشيف الأمم المتحدة — قرارات الجمعية العامة بشأن أزمة السويس وإنشاء قوة الطوارئ الدولية.
- مذكرات شخصيات سياسية — مذكرات أنتوني إيدن، ودافيد بن غوريون، وجمال عبد الناصر، وتشارلز ديغول.
- دراسات أكاديمية — أبحاث منشورة حول تأثير أزمة السويس في نظام الحرب الباردة وحركات التحرر الوطني...
